الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذه رسالة حررتها استجابة لرغبة كثير من الأعيان والإخوة الكرام في بيان الفرق بين »السَّيِّد « و«الشَّرِيف»، وسميت هذه الرسالة بـ: «تَنْبِيهِ الحَصِيفِ إِلى خَطَأِ التَّفَرِيقِ بَيْنَ: السَّيِّد والشَّرِيف».
وقدمت الرسالة بتعريف الإسمين لغة، ثم سقت الأدلة والشواهد في ذلك، فأقول وبالله التوفيق:
تعريف السَّيِّد:
السَّيِّد: مشتق من «سَادَ»، «يسُودُ»، «سِيَادةً»، والأسم: «السؤدد» وهو المجد والشرف، يقال له: سَاد قومه، يَسُودهم سُؤددًا؛ وجمع السَّيِّد السادة، وهم الكُبراء والرؤساء والأشراف من كُل جنس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنَا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يومَ القِيَامَةِ، ولا فَخْرَ»([1])؛ وقيل: إنما سُمِّي السَّيِّد سيدًا لأن الناس يلتجئون إلى سواده([2]).
وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللقب على آله، فقال عن سبطه الحسن بن علي بن أبي طالب –رضي الله عنهما-: «إن ابني هذا سيد»([3])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»([4]).
ووصف به النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ الأنصاري، فقال لعشيرته: «قوموا إلى سيدكم»([5]).
تعريف الشَّرِيف:
الشَّرِيف: بفتح الشين وكسر الراء([6])، على وزن فعيل من الشرف، والشرف هو العلو والمجد والرفعة([7])، فهو السَّيِّد في قومه العلي في رهطه([8])، يقال رجل شريف أي ماجد([9])، وجمع الشَّرِيف الأشراف([10]).
قال العلامة ابن فارس(ت395هـ): «الشين والراء والفاء أصل يدل على علو وارتفاع، فالشرف: العُلوُّ، والشَّرِيف: الرجل العالي؛ ورجل شريف من قوم أشراف»([11]).
التطابق اللغوي بين السَّيِّد و الشَّرِيف:
إن المتأمل للمعاني اللغوية للإسمين «السَّيِّد» و «الشَّرِيف» يلاحظ أن مدلولهما اللغوي بمعنى. فالجامع الدلالي لهما هو المجد وعليه فلا فرق بينهما في لغة العرب.
لقب السَّيِّد في العهد الجاهلي:
لقب «السَّيِّد» في العهد الجاهلي يوصف به من كان معظمًا بين قومه، قال كعب بن مالك لأبي جابر عبدالله بن عمرو بن حرام الأنصاري يرغِّبه في الإسلام: «يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا»([12]).
أوائل من أُطلِق عليه السَّيِّد من الهاشميين في كتب التاريخ:
ومن أوائل من لقب بـ«السَّيِّد» من آل النبي صلى الله عليه وسلم -فيما وقفت عليه في كتب التاريخ-بعد السبطين رضي الله عنهما- هو معاذ بن داود بن محمد بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-المؤرخة وفاته سنة (295هـ) في الشاهد الحجري([13]) الذي على قبره، ونُقِش على الحجر عبارة: «السَّيِّد الشَّرِيف معاذ بن داود»([14]).
شيوع إطلاق لقب السَّيِّد على الهاشميين:
ثم شاع بين علماء الإسلام إطلاق لقب «السَّيِّد»، على ذرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ومن هؤلاء العلماء: الحافظ الحاكم النيسابوري(ت405هـ)، وهذا نصه: «حدثنا السَّيِّد الأوحد أبو يعلى حمزة بن محمد الزيدي»([15])، العلوي العالم الحافظ([16]).
والحافظ أحمد البيهقي(ت458هـ)، وهذا نصه: «أخبرنا السَّيِّد أبومنصور الظفر بن محمد بن أحمد بن زبارة العلوي»([17]).
وقد روى عن الهاشميين خلق من علماء الإسلام بصيغة «أخبرنا السَّيِّد فلان»، من ذلك: المحدث سعيد بن محمد البحيري النيسابوري(ت451هـ)([18])؛ والحافظ الحسين البغوي(ت516هـ)([19])؛ والمحدث محمد بن محمد الطائي(ت555هـ)([20])؛ والحافظ عبدالغافر بن إسماعيل الفارسي(ت529هـ)([21])؛ والحافظ السمعاني البغدادي(ت562هـ)([22])؛ والمسند أحمد بن المقرب البغدادي(ت563هـ)([23])؛ والحافظ المؤرخ ابن الأثير(ت630هـ)([24])؛ والحافظ المؤرخ الذهبي(ت748هـ)([25])، وغيرهم.
لقب الشَّرِيف في العهد الجاهلي:
هو لقب يوصف به من كان معظمًا بين قومه من القرشيين وغيرهم من أشراف العرب في العهد الجاهلي، قال كعب بن مالك لأبي جابر عبدالله بن عمرو بن حرام الأنصاري يرغبه في الإسلام: «يا أبا جابر إنك شريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا»([26]).
وقال العلامة ابن هشام(ت218هـ): «كان عمرو بن الجموح سيدًا من سادات بني سلمة وشريفًا من أشرافهم»([27]).
وظل إطلاق لقب «الشَّرِيف» شائعًا على أشراف العرب إلى العهد الإسلامي، ودليل ذلك وصف الحافظ يحيى بن معين(ت233هـ) لعالم من قبيلة فزارة([28]) الغطفانية بالشَّرِيف، وهذا نصه: «حدثنا الشَّرِيف بن الشَّرِيف مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري»([29]).
شيوع إطلاق لقب الشَّرِيف على عموم الهاشميين:
ثم شاع في القرون الأولى إطلاق لقب «الشَّرِيف» على الهاشميين –أي بقولهم «الشَّرِيف فلان»-، وأصبح هذا اللقب اسم علم على: آل علي بن أبي طالب، وآل جعفر بن أبي طالب، وآل عقيل بن أبي طالب، وآل العباس بن عبدالمطلب؛ وآل الحارث بن عبدالمطلب –رضي الله عنهم-؛ قال الحافظ السيوطي(ت911هـ): «إن اسم الشَّرِيف كان يطلق في الصدر الأول على كل من كان من أهل البيت سواءً كان حَسنيًا أم حُسينيًا، أم علويًا –من ذرية محمد ابن الحنفية- وغيره من أولاد علي بن أبي طالب، أم جعفريًا، أم عقيليًا، أم عباسيًا، ولهذا تجد «تاريخ» الحافظ الذهبي مشحونًا في التراجم بذلك يقول: الشَّرِيف العباسي، الشَّرِيف العقيلي، الشَّرِيف الجعفري»([30]).
ومن أدلة شيوع إطلاق لقب الشَّرِيف على الهاشميين، ما قاله الفقيه المرداوي الحنبلي(ت885هـ)، وهذا نصه: «الأشراف: هم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أحق البيوت بالتشريف، صار من كان من أهل البيت شريفًا»([31]).
أوائل من أطلق عليه الشَّرِيف من الهاشميين في كتب التاريخ:
ومن أوائل من لقب من الهاشميين بـ«الشَّرِيف فلان» -فيما وقفت عليه في كتب التاريخ- هو معاذ بن داود بن محمد بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- المؤرخة وفاته سنة (295هـ) في الشاهد الحجري الذي وضع على قبره، ونُقِش على الحجر عبارة: «السَّيِّد الشَّرِيف معاذ بن داود»([32]).
ومن المتقدمين من لقب بـ «الشَّرِيف»: إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-، كان يقال له «الشَّرِيف الخلاص»، وقد توفي إسماعيل في أواخر القرن الثالث الهجري تقريبًا([33]).
وهكذا أصبح علماء الإسلام يصفون أهل العلم من الهاشميين بـ «الشَّرِيف فلان»، قال الحافظ ابن ماكولا(ت487هـ): «شَرِيف -بفتح الشين وكسر الراء- فجماعة من الهاشميين، والقرشيين إذا روى عنهم راو قال: أخبرنا الشَّرِيف»([34]).
قلت: وقد تتبعت من روى من علماء المسلمين عن الهاشميين بصيغة «سمعت أو أخبرنا الشَّرِيف»، فوقفت على مئات الروايات عنهم بتلك الصيغة، ومن هؤلاء: الحافظ الحاكم النيسابوري(ت405هـ)، وهذا نصه: «سمعت الشَّرِيف القاضي أبا الحسن محمد بن صالح الهاشمي»([35]).
والحافظ عبدالملك النيسابوري(ت407هـ)، وهذا نصه: «أخبرنا الشَّرِيف أبومحمد عبدالله بن يحيى بن طاهر بن يحيى الحُسيني بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم»([36]).
والحافظ محمد بن سلامة القضاعي(ت454هـ)، وهذا نصه: «أخبرنا الشَّرِيف أبو إبراهيم جعفر بن محمد الحُسيني بمكة حرسها الله تعالى»([37]).
والحافظ أحمد البيهقي(ت458هـ)، وهذا نصه: «أخبرنا الشَّرِيف أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي»([38]).
وممن روى عن الهاشميين من علماء الإسلام بصيغة «أخبرنا الشَّرِيف فلان»: المفسر علي بن أحمد الواحدي(ت468هـ)([39])؛ والقاضي محمد بن فتوح الحميدي الأندلسي(ت488هـ)([40])؛ والحافظ الحسين البغوي(ت516هـ)([41])؛ والحافظ قوام السنة الأصبهاني(ت535هـ)([42])؛ والعلامة الزمخشري(ت538هـ)([43])؛ والحافظ السمعاني(ت562هـ)([44])؛ والحافظ ابن عساكر الدمشقي(ت571هـ)([45])؛ والحافظ ابن خير محمد الأشبيلي(ت575هـ)([46])؛ والحافظ أبي طاهر السلفي(ت576هـ)([47])؛ والحافظ ابن الجوزي البغدادي الحنبلي(ت597هـ)([48])؛ والفقيه ابن قدامة الحنبلي(ت620هـ)([49])؛ والحافظ الضياء المقدسي(ت643هـ)([50])؛ وغيرهم.
وهكذا وصف شيخ الإسلام ابن تيمية(ت728هـ) جد أشراف الحجاز والمغرب وغيرها من البلدان، فقال: «عبدالله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، أحد الأشراف الحَسَنيين، بل أجلهم قدرًا في عصر تابعي التابعين»([51]).
ووصف ابن تيمية الفقيه الزاهد أبا جعفر عبد الخالق بن أبي موسى عيسى بن أحمد العباسي(ت470هـ)، فقال: «الشَّرِيف أبو جعفر بن أبي موسى»([52]).
قلت: لعل ماحررناه في تعريف السَّيِّد والشَّرِيف لغة واصطلاحًا، وأصل هذه الألقاب في قاموس العرب، وشيوعها، ما يثري القارئ، وهذا آوان الشروع في بيان خطأ التفرق بين السَّيِّد والشَّرِيف؛ فأقول:
ما الفرق بين السَّيِّد والشَّرِيف؟
لقد خاض من خاض في التفريق بين اللقبين، فحصر لقب «الشَّرِيف» على ذرية الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنهما-، وحصر لقب «السَّيِّد» على ذرية الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنهما-، ولقد لمس هذا التفريق القاضي النبهاني(ت1350هـ)، فقال: «في الحجاز اصطلحوا على إطلاق الشَّرِيف على من كان حَسنيًا، والسَّيِّد على من كان حُسينيًا للفرق بينهما»([53]).
ثم شاع هذا التفريق بين الناس من ذاك الزمان إلى يومنا هذا، ولكنه خرج عن نطاق الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه، إلى إنكار إطلاق لقب «الشَّرِيف» على ذرية الحُسَين السبط –رضي الله عنه-؛ و «السَّيِّد» على ذرية الحسن السبط –رضي الله عنه-؛ والعكس، ولهج بهذا الإنكار بعض الكُتَّاب بدون تحقيق.
والجواب على ذلك أن يقال: لقد جانب الصواب من قال بهذا التفريق، ولم يوفَّق؛ فالسَّيِّد هو الشَّرِيف، والشَّرِيف هو السَّيِّد، ومن منع إطلاق لقب «الشَّرِيف» على الحُسيني، و «السَّيِّد» على الحَسَني؛ فليس له مستند ولا معتمد، وقوله بعيد عن الصحة، ودونك البيان:
الدليل على إطلاق لقب الشَّرِيف على ذرية الحُسين رضي الله عنه:
من الأدلة على إطلاق لقب «الشَّرِيف» على ذرية الحُسين السبط –رضي الله عنه-، أن أشراف المدينة من ذرية الحُسين –رضي الله عنه- يطلق على الواحد منهم منذ مئات السنين وإلى يومنا هذا لقب «الشَّرِيف»، قال الحافظ عبدالملك النيسابوري(ت407هـ): «أخبرنا الشَّرِيف أبو محمد عبدالله بن يحيى بن طاهر بن يحيى الحُسيني بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم»([54]).
وقال المؤرخ ابن تغري بردي المصري(ت874هـ): «الشَّرِيف زهير بن سليمان بن زيان بن منصور بن شيحة الحُسَيني»([55]).
وقال المؤرخ ابن فهد المكي(ت922هـ): «الشَّرِيف قسيطل ابن أمير المدينة زهير بن سليمان الحُسَيني»([56]).
وهكذا وصف الحافظ ابن حجرالعسقلاني(ت852هـ) نقيب الأشراف من آل زهرة الحُسَينيين بالشام، فقال: «الشَّرِيف علاء الدين علي بن حمزة بن علي بن الحسن بن زهرة الحُسَيني نقيب الأشراف بحلب»([57]).
والنصوص بإطلاق لقب «الشَّرِيف» على ذرية الحسين السبط –رضي الله عنه- لا تحصى، فبطل بذلك قول من أنكر إطلاق لقب «الشَّرِيف» على ذرية الحُسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنهما-.
الدليل على إطلاق لقب السَّيِّد على ذرية الحسن رضي الله عنه:
أما قول القائل: بأن لقب «السَّيِّد» لا يطلق على ذرية الحسن –رضي الله عنه- وأنهم أشراف فقط، فقد جانب صاحبه الصواب، والدليل على ذلك أن حكام اليمن الأئمة جُلهم من ذرية الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنهما، ويطلق على الرجل منهم لقب «السَّيِّد فلان»، قال المؤرخ أحمد المقحفي اليماني(ت1199هـ): «السَّيِّد جمال الدين علي بن صلاح الدين بن علي من ذرية علي ابن الإمام شرف الدين»([58])؛ والشواهد على ذلك بالمئات([59])؛ بل لقب «السَّيِّد» معظم على «الشَّرِيف» عند أهل اليمن كما قال النسابة النعمي(ت1351هـ)([60]).
ثم إن أشراف مكة الحَسَنيين يطلق عليهم لقب «السَّيِّد» أيضًا، قال المؤرخ جار الله المكي(ت954هـ): «صاحب مكة السَّيِّد أبو نمي بن بركات بن حسن بن عجلان الحسني»([61]).
وقال المؤرخ عبد الشكور المكي(ت1257هـ) عن ابن أمير مكة: «السَّيِّد الحسن بن الشَّرِيف أحمد بن سعيد»([62]).
وقال المؤرخ الدهلوي المكي(ت1355هـ): «كثيرًا ما يقال لأشراف مكة السَّيِّد فلان»([63]). قلت: وأشراف مكة جُلهم إن لم يكن كلهم حَسَنيون.
إطلاق اللقبين السَّيِّد والشَّرِيف على الحَسَني والحُسَيني:
تقدمت الأدلة على صحة إطلاق «الشَّرِيف» على الحُسَيني، و«السَّيِّد» على الحَسَني، ومن الأدلة على أن السَّيِّد شريف، والشَّرِيف سيد: أن الحَسَني والحُسَيني جمعا بين اللقبين، فقد أُطلق اللقبين «السَّيِّد الشَّرِيف» على معاذ بن داود بن محمد بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، المؤرخة وفاته سنة (295هـ) في الشاهد الحجري الذي على قبره([64]).
وهذا من أقوى الأدلة على صحة إطلاق لقب «السَّيِّد» على الحَسَني، و بطلان من أنكره؛ لأن معاذ بن داود حَسَنيٌ، وقد جمع في هذا الأثر بين اللقبين السَّيِّد والشَّرِيف.
وأُطلق اللقبين «السَّيِّد الشَّرِيف» على الحسن بن مهدي الحُسيني، قال الحافظ ابن خير محمد الأشبيلي(ت575هـ): «السَّيِّد الشَّرِيف أبوطالب الحسن بن مهدي بن أحمد بن عقيل العلوي الحُسَيني»([65]).
وهذا من أقوى الأدلة على صحة إطلاق لقب «الشَّرِيف» على الحُسَيني، وبطلان من أنكره، لأن الحسن بن مهدي حُسَيني، وقد جمع في هذا الأثر بين اللقبين السَّيِّد والشَّرِيف.
تصدي المؤرخين لشائعة التفريق بين السَّيِّد والشَّرِيف:
شائعة التفريق بأن «السَّيِّد» حُسيني، و«الشَّرِيف» حَسَني تصدى لها مؤرخو مكة وأبطلوها، قال المؤرخ القاضي جعفر اللبني المكي(ت1340هـ): «كثير من الناس يظن أن الأشراف خاصة بأولاد الحسن السبط، كما أن السادة خاص بأولاد الحُسين الشهيد بكربلاء، وليست هذه قاعدة فكثيرًا ما يقال لأشراف مكة: السَّيِّد فلان، ويقال لأشراف المدينة المنورة: أشراف، وهم حُسَينيون»([66])، وبمثله قال المؤرخ الدهلوي المكي(ت1355هـ)([67]).
التفريق العُرفي للقب السَّيِّد والشَّرِيف في البلدان:
لقد تبين بالأدلة أنه لا فرق بين لقب «السَّيِّد» و «الشَّرِيف»، فالسَّيِّد شريف، والشَّرِيف سيد، ولكل لقب من هذه الألقاب منزلة في بعض البلدان، فلقب «السَّيِّد» عند أهل اليمن والعراق وبلاد العجم معظم على لقب «الشَّرِيف».
ولقب «الشَّرِيف» في الحجاز، ونجد، ومصر، والشام، والمغرب، وغيرها من البلدان معظم ولا يعدله لقب.
ولقد عبر النسابة الشَّرِيف محمد بن حيدر النعمي (ت1351هـ) عن اختلاف منزلة اللقبين في البلدان بقوله: «ولاسم الشرف مزية في مكة -شرفها الله- ولا يكون هذا إلا لمن ولي تخت الإمارة، ولاسم السادة شرف أعلى في جهات اليمن، وكلا الاصطلاحين لا تنافي بينهما فالجميع أشراف سادة»([68]).
قلت: بل وفي البلد نفسه تجد التفاوت في تعظيم لقب على الآخر، والمثال على ذلك: الأشراف الخواجيون، والسادة النعميون من أسرة واحدة يلتقون في جدهم الشَّرِيف سليمان بن داود الحسني؛ ويسكنون بالقرب من بعض في منطقة جازان؛ بيد أن الأشراف الخواجيين يُعَرف الواحد منهم بـ «الشَّرِيف»([69])، والسادة النعميين يُعَرف الواحد منهم بـ «السَّيِّد»([70])، وهم من أب واحد ومنطقة واحدة.
والخلاصة: أنه لا فرق بين «السَّيِّد» و «الشَّرِيف»، فالسَّيِّد شريف، والشَّرِيف سيد، إنما هو اصطلاح عرفي يصطلحه أهل كل بلد، ولا مشاحة في الاصطلاح، إنما يُنكر على من خصص لقب «الشَّرِيف» على ذرية الحَسَن –رضي الله عنه- ومنع إطلاقه على ذرية الحُسين –رضي الله عنه-، والعكس؛ وقد سقنا الأدلة على بطلان ذلك التفريق، وإليك المزيد:
قال الفقيه محفوظ الترمسي المكي(ت1338هـ): «وربما يُقال في بعض البلاد: للحَسَني «شريف»، وللحُسَيني «سيد»، وكأنه اصطلاح لا يشاحح عليه، وإلا فكل منهما سيد وشريف كما لا يخفى»([71]).
ولأشراف مكة في القرنين الثالث والرابع عشر الهجري اصطلاح آخر في التعريف بمن هو «السَّيِّد» و «الشَّرِيف»، وذلك بحصرهم لقب «الشَّرِيف» على أمير مكة، و «السَّيِّد» على أبنائه وأحفاده، قال المؤرخ عبدالشكور المكي(ت1257هـ): «السَّيِّد الحسن بن الشَّرِيف أحمد بن سعيد»([72]).
وقد لمس المؤرخ النسابة الشَّرِيف محمد بن منصور آل زيد هذا الاصطلاح في وثائق أشراف مكة والطائف القديمة، فقال : «والديباجة المتبعة فيما رأيت من حجج ووثائق إذا لم يكن صاحبها من الأمراء، تقول : «حضر السَّيِّد فلان بن السَّيِّد فلان»، وإذا كان في آبائه أحد من أمراء مكة نعت بالشَّرِيف, فيقال : «حضر السَّيِّد فلان بن سيدنا الشَّرِيف فلان»، ولكن لكثرة من ولي مكة من الأشراف وانتساب أكثر قبائل وبيوت الأشراف في الحجاز إلى جد هو ممن تولى مكة أصبح يطلق كاسم علم عليهم»([73]).
وفي الختام: لعلي أزلت اللبس في مسألة التفريق بين السَّيِّد والشَّرِيف، والتي خلاصتها: أن السَّيِّد شريف، والشَّرِيف سيد، وأن من أنكر إطلاق «الشَّرِيف» على الحُسَيني، و «السَّيِّد» على الحَسَني، والعكس، فقد جانب الصواب بالدليل؛ سائلاً الله تعالى أن ينفع بهذه الرسالة وبسائر ما كتبت إنه سميع الدعاء؛ ثم راجيًا من القارئ الكريم تأمل ما حررته بعين الإنصاف لا الانحراف.